فوزي آل سيف

96

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

وقد نقلت عنه المصادر التاريخية من الفريقين هذه الكلمة الصاعقة: «إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء، حتى نفضي جميعًا إلى يوم ليس له انقضاء، يخسر فيه المبطلون»[192]. وقد أشرنا إلى كلمات أخر ومواقف للإمام عليه السلام، في فصل أدوار اعتقال الإمام موسى الكاظم، في صفحات سابقة، فليراجع. 2/ في سنة 179 تم اعتقال الإمام، وفي سنة 183ه‍ تمت شهادته في سجن السندي بن شاهك مسمومًا على ما هو المشهور بين المؤرخين. ولم يكن أمر اغتياله صلوات الله عليه بالسم شيئًا منكرًا في عالم الحاكمين حتى يتردد بعض المؤرخين ممن هم عبدة السلاطين في ذكر ذلك مع علمهم به، بل لم يكن أمر اغتيال الخصوم بكل وسيلة ممكنة شيئا طارئا، فالذي ينظر مليًّا في موسوعة العذاب لعبود الشالجي، وهي قطرة من محيط القسوة والحيوانية التي كانت تسيطر على أولئك الحاكمين، أو يرجع إلى كتاب أسماء المغتالين من الأشراف لابن المحبر البغدادي، يرى أن قتله لو لم يكن بتلك الصورة من السم بعد العذاب والتنكيل، كان مستنكرا ومستغربا! بل كانت تصفياتهم بعضهم لبعض وتخلص بعضهم من بعض[193] ما استطاعوا لذلك سبيلا هو الطريق المفضل لهم كيف لا وهم لا يرجون لله وقارًا، ولا يعتقدون حقيقةً جنة أو نارًا! وإنما هي هذه الحياة الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر! هذه هي طريقة حياتهم، ودع عنك كلمات المنبر ووعظ العامة، فإنها عندهم حديث خرافة يا ام عمرِو! وبالرغم من محاولة هارون وجلاوزته كالسندي إخفاء آثار الجريمة إلا أنها ظهرت من حيث أرادوا إخفاءها، ففي الرواية عن أحد شهود محاولة إخفاء آثار الجريمة، وكيف أن السندي بأمر هارون قد جمع جمعًا غفيرًا من أعيان بغداد، وأخرج إليهم الإمام بعد تسميمه، صحيح الظاهر ليس فيه أثر ضرب أو جرح أو غير ذلك لكي يروه ويشهدوا لمن خلفهم بما عاينوا! فانقلب الأمر عليهم: فقد نقل الشيخ الصدوق رحمه الله في الأمالي عن أحد من حضر قوله: جمعنا أيام السندي بن شاهك ثمانين رجلا من الوجوه، ممن ينسب إلى الخير، فأدخلنا إلى موسى بن جعفر عليهما السلام، فقال لنا السندي: يا هؤلاء، انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث، فإن الناس يزعمون أنه قد فعل به مكروه، ويكثرون في ذلك، وهذا منزله وفرشه، موسع عليه غير مضيق، ولم يرد به أمير المؤمنين سوءًا، وإنما ينتظره أن يقدم فيناظره أمير المؤمنين، وها هو ذا صحيح موسع عليه في جميع أمره، فسلوه، قال: ونحن ليس لنا همٌّ إلا النظر إلى الرجل وإلى فضله وسمته.

--> 192  الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ١٣/‏٣٣، كما نقلها عنه ابن الجوزي في صفة الصفوة، وابن الأثير في الكامل، والذهبي في تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء وغيرهم في غيرها. 193  فهذا الربيع خادم العباسيين ووزير موسى الهادي العباسي، سمه الهادي هذا في كأس مسمومة وجعله يشربها ومات من ليلته، كما في تاريخ الطبري 6/ 440. وتعاون هارون الرشيد مع أمه الخيزران وهي أم الهادي لاغتيال أخيه موسى الهادي نفسه فسموه من سنته ومات على إثر ذلك، وكان موسى الهادي يدبر في اغتيال أخيه الرشيد ويحيى البرمكي، ونفسه دس لأمه السم في أكلة وأرسلها لها لتموت، لكنها لم تأكل منها.. وهكذا، وهارون دس لإدريس بن عبد الله بن الحسن من يسمه وهو في أفريقيا وكان يفتخر بذلك! وقد ذكر كل هذا وأمثاله في تاريخ اليعقوبي والطبري وتجارب الأمم لابن مسكويه... فراجع.